top of page

حين تسكن الغيمة بيتًا… يبقى للضوء مكان

  • قبل 3 أيام
  • 3 دقيقة قراءة

تفخر أجيال بإطلاق كتاب «الغيمة التي سكنت بيتنا»؛ حكاية تنبع من تجربة حقيقية، وتمنح الطفل لغةً يفهم بها ما يصعب على الكبار شرحه.


ليس كل ما يدخل بيوتنا يستأذن.


فبعض الأشياء تأتي على هيئة خبرٍ لم نتهيأ لسماعه، ثم تمتدّ ظلالها فوق المطبخ، وغرف النوم، وضحكات الصغار، وتفاصيل الأيام التي كانت تبدو عادية وآمنة.


وقد يعرف الكبار اسم ما حدث، ويحفظون كلمات الأطباء ومواعيد الفحوص، لكن الطفل يرى الأمر على نحو مختلف: يرى غيمةً لم تكن هناك بالأمس، ولا يفهم لماذا اختفت رائحة الكعك، ولماذا خفتت الحركة في البيت، أو كيف تغيّرت ملامح من يحب.


من هنا تولد حكاية «الغيمة التي سكنت بيتنا»، من تأليف عائشة راشد المناعي ورسوم مريم محمودي مقدم؛ كتاب مصوّر مستوحى من تجربة عاشتها المؤلفة حين دخل السرطان حياة أسرتها من دون موعد. لكنه ليس سردًا للمرض بقدر ما هو إنصاتٌ إلى صوت الطفل حين يحاول أن يفهم عالمًا تغيّر فجأة.

تبدأ الحكاية من بيت يعرف الفرح جيدًا؛ بيت تعبق فيه رائحة الخَبز، وتُصنع فيه الكعكات للمناسبات الصغيرة والكبيرة، وتملؤه ضحكات الأسرة. ثم تظهر الغيمة.


لا تأتي الغيمة هنا لتكون مجرد رمز عابر، بل تصبح حضورًا يكبر ويصغر، يثقل أحيانًا، ويتغيّر أحيانًا أخرى. يراها الطفل فوق البيت وفي الغرف وبين تفاصيل الحياة اليومية، فيحاول بعفويته أن يجد تفسيرًا لما لا يعرف كيف يسمّيه.


وهذه إحدى أجمل خصال الكتاب: أنه لا يستعجل الإجابة.

لا يضع أمام الطفل عبارات جاهزة، ولا يطلب منه أن يكون شجاعًا طوال الوقت، ولا يعامل خوفه بوصفه شعورًا ينبغي إسكاتُه. بل يترك له مساحةً كي يسأل، ويتخيّل، ويرتبك، ويبحث عن المعنى بطريقته الخاصة.

فالأطفال، حين تواجه الأسرة المرض، لا يحتاجون إلى الصمت حمايةً لهم بقدر ما يحتاجون إلى كلمات صادقة تناسب أعمارهم. يحتاجون إلى من يقول لهم إن الارتباك طبيعي، وإن الحزن لا يعني غياب الحب، وإن المرض لا يحوّل الإنسان الذي نعرفه إلى شخص آخر.


في رسوم مريم محمودي مقدم، تتحوّل المشاعر إلى مشاهد يمكن رؤيتها. الألوان المضيئة التي تملأ لحظات العائلة الأولى تقابلها الغيمة الداكنة التي تتمدد فوق البيوت وداخل الغرف. ويغدو الشعر، والبيت، والكعك، والقبعات، والضوء عناصر في لغة بصرية شديدة الرقة، تقول ما قد تعجز الكلمات عن قوله.

ورغم ثقل الموضوع، لا يغرق الكتاب في العتمة.


إنه لا ينكر الخوف، لكنه لا يمنحه الكلمة الأخيرة. ولا يَعِد الطفل بأن المحبة وحدها تشفي المرض، لكنه يبيّن له أن المحبة تستطيع أن تفعل شيئًا بالغ الأهمية: أن تجعل الإنسان أقل وحدةً وهو يمرّ بما يمرّ به.

ولهذا، فهذه ليست حكاية عن السرطان وحده. إنها حكاية عن الأسرة حين تتعلّم شكلًا جديدًا من أشكال القرب؛ عن طفل يكتشف أن الرسم قد يكون رسالة، وأن الجلوس بجوار من نحب فعلٌ عظيم، وأن الأمل لا يعني تجاهل الغيمة، بل القدرة على البحث عن الضوء من خلفها.


ويضم الكتاب في صفحاته الأخيرة مساحة معرفية تشرح للطفل، بلغة بسيطة وغير مخيفة، ما السرطان، وكيف يعالَج، ولماذا قد يتساقط شعر المريض، ولماذا لا ينتقل المرض بالعناق أو المشاركة، وكيف يمكن للطفل أن يساند شخصًا يحبه. وهكذا تمتد الحكاية من الأدب إلى الحوار، ومن الخيال إلى المعرفة، من دون أن تفقد دفئها الإنساني.


صُمّم الكتاب للفئة العمرية من 6 إلى 9 سنوات، لكنه يتجاوز حدود العمر؛ فهو يصلح لأن يُقرأ بين طفل ووالديه، وفي الصفوف والمكتبات، وفي البيوت التي تواجه المرض، وفي البيوت التي تريد أن تهيّئ أبناءها لفهمه برفق وصدق.


في أجيال، نؤمن بأن كتب الأطفال لا ينبغي أن تتجنب الأسئلة الصعبة، بل أن تقترب منها بحنان ومسؤولية. وأن الحكاية الجيدة لا تزيل الألم، لكنها قد تمنحنا طريقةً لحمله، وعبارةً نبدأ بها الحديث، ونافذةً يدخل منها شيء من النور.


«الغيمة التي سكنت بيتنا» كتاب وُلد من تجربة حقيقية، لكنه كُتب لكل بيت عرف غيمة، ولكل طفل شعر بأن شيئًا تغيّر ولم يعرف كيف يسأل عنه.


فالغيوم قد تطول إقامتها أحيانًا، لكن خلفها دائمًا مكانٌ للضوء.


الكتاب متوفر الآن من أجيال.

 
 
bottom of page