كلمات صغيرة… تصنع ثقة كبيرة: حكاية «كعكتي تتحدث»

تخيّلوا طفلاً يحمل رسمة انتهى منها للتو، ويأتي بها إليكم. الورقة مملوءة بالألوان، والشمس أكبر من البيت، وربما تقف شجرة فوق السحاب. يرفعها أمامكم وينتظر.
في تلك الثواني، تبدو الكلمة التي سنقولها صغيرة جداً. أمّا عنده، فقد تكون كبيرة بما يكفي ليركض بحثاً عن ورقة أخرى.
كم كلمة سمعناها ونحن صغار، وما زلنا نحملها معنا؟ كلمة من معلّم انتبه إلى موهبة، أو من أمّ رأت في محاولة مرتبكة شيئاً يستحق التشجيع. ربما نسي صاحبها أنه قالها، ونحن ما زلنا نتذكّر كيف جعلتنا نشعر.
من هذه المساحة القريبة من القلب، تأتي «كعكتي تتحدث»، للكاتبة الإماراتية شما المرزوقي، برسوم أحمد حلمي، ومن إصدارات أجيال. تبدأ الحكاية في مطبخ، مع طفلة تُعدّ كعكة البرتقال التي تحبّها، قبل أن تستوقفها أصوات غريبة. وسنترك لكم متعة اكتشاف ما يحدث بعدها.
ما يشغلنا في هذه الحكاية هو ذلك الأثر الذي قد تصنعه كلمات قليلة في نظرة الطفل إلى نفسه. أن ينتبه إلى مهارة يملكها، أو يفرح بجهد بذله، أو يمنح نفسه فرصة أخرى للمحاولة. أحياناً يحتاج الطفل إلى شخص يلاحظ التفاصيل التي مرّت أمام الجميع، ويقول له: رأيت ما فعلت.
وللكتاب حكاية أخرى، تبدأ خارج المطبخ.
اختيرت «كعكتي تتحدث» ضمن الأعمال الفائزة في الدورة الأولى من برنامج «أول إصدار»، الذي أطلقته الهيئة الوطنية للإعلام لدعم المواهب الإماراتية في نشر أعمالها الأولى. وجاءت قصة شما بين أحد عشر إصداراً فائزاً، من نحو ثلاث وسبعين مشاركة. ويوفّر البرنامج، بالشراكة مع دور نشر وطنية، دعماً يمتد من المراجعة والتحرير والتصميم إلى الطباعة والتوزيع.
تأمّلوا معنى «أول إصدار» للحظة. اسم كاتب على غلاف. فكرة كانت تعيش في ذهن صاحبها، وأصبحت كتاباً يستطيع طفل أن يحمله إلى البيت. ثم يفتحه، ويتعلّق به، ويطلب قراءته مرة أخرى.
في أجيال، تعنينا هذه المسافة بين الفكرة والقارئ. وفي نشر حكاية شما، نرى صلة جميلة بين موضوع الكتاب ورحلة وصوله إلى أيدي الأطفال: أثر أن يجد الإنسان من يؤمن بما يستطيع تقديمه، ويمنحه فرصة ليُظهره.
ولأن الدهشة جزء من علاقتنا الأولى بالكتب، تحمل «كعكتي تتحدث» تجربة بصرية تستخدم انعكاسات المرآة لتكتمل الرسوم ويظهر فيها عمق مدهش. تفتح الصفحة، تنظر، ثم تعود لتنظر مرة أخرى. وكأن الكتاب يدعوك إلى الاقتراب قليلاً، فهناك شيء ينتظر أن تكتشفه.
نحب أن نتخيّل هذه اللحظة في بيت أحد القرّاء: طفل يفتح الكتاب، يكتشف ما تصنعه المرآة، ثم ينادي أحداً ليشاركه دهشته. تجتمع عينان حول صفحة، وتبدأ بينهما حكاية.
وربما تحمل القراءة لنا، نحن الكبار، تذكيراً لطيفاً أيضاً. أن نتأنّى أمام ما يصنعه أطفالنا. أن نلاحظ المحاولة، والدقة، والخيال، والخطوة الصغيرة التي احتاجت منهم شجاعة. فلدينا كل يوم فرص كثيرة لنقول كلمات تستحق أن تبقى.
كلمات صغيرة… تصنع ثقة كبيرة.
وهذه الكعكة لديها حكاية ترويها.
